طباعة هذه الصفحة

العلاقات بين أمريكا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في ظل عالم متعدد الأقطاب مميز

الجمعة, 08 أيار 2026 15:27

Boric va a la "Cumbre de las Américas"

 

العلاقات بين أمريكا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في ظل عالم متعدد الأقطاب: الاستقلالية وتنوع الشراكات ومنظور "سيلاك"

 

 إعداد: الطالب الباحث ألبيرتو ماريسكا | جامعة غانت /معهد جامعة الأمم المتحدة لدراسات الاندماج الإقليمي المقارن (UNU-CRIS)

ترجمة: د. سعيد بنبوكر

 

على مدى عقود طويلة من القرن العشرين، تم تحليل السياسة الخارجية لأمريكا اللاتينية حصريا تقريبا من منظور علاقاتها بواشنطن؛ حيث نُظر إلى المنطقة كحديقة خلفية استراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، وظلت توجهاتها الخارجية مقيدة بمنطق عقيدة مونرو، وبضرورات مكافحة الشيوعية خلال الحرب الباردة. بينما ظلت العلاقات مع منطقة (مينا)، هامشية وظرفية وتابعة إلى حد كبير للتفضيلات الأمريكية.

 

لقد أدت التحولات البنيوية إلى تغيير هذه المعادلة من خلال ما يلي: أولا، بروز نظام دولي متعدد الأقطاب - تسارعت وتيرته بفعل كل من غزو العراق سنة 2003، والأزمة المالية العالمية لسنة 2008، وصعود مجموعة "بريكس" - مما خلق هوامش مناورة جديدة للجهات الفاعلة في الجنوب العالمي. ثانيا، عودة عقيدة مونرو بنهج هجومي تحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما في ذلك العملية العسكرية في 3 يناير 2026 التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مما عزز من ضرورة تنويع السياسة الخارجية في جميع أنحاء المنطقة. ولم تكن الاستجابة سلبية، بل سرعت حكومات أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاراييب من وثيرة التعاون جنوب-جنوب مع إفريقيا وآسيا، وبشكل خاص مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كاستراتيجية بنيوية لتقليل الاعتماد على بيت أبيض متقلب. وتندرج هذه الاستراتيجية ضمن إطار الاستقلالية في العلاقات الدولية.

 

يُعد مفهوم الاستقلالية حجر الزاوية في نظرية العلاقات الدولية في أمريكا اللاتينية. وقد صاغه أكاديميون مثل هيليو جاغواريب، وخوان كارلوس بويغ، وسيلسو أموريم؛ حيث تشير الاستقلالية إلى قدرة القوى الصاعدة على التحرك في النظام الدولي دون الرضوخ للإكراه الخارجي.

 

وفي السياق المتعدد الأقطاب الحالي، تُفهم الاستقلالية بشكل أفضل من خلال تنويع الشراكات: أي التوسع الاستباقي في العلاقات الدبلوماسية والتجارية والسياسية تجاه مناطق وشركاء متعددين، بدلا من الارتهان لقطب مهيمن واحد. وقد عملت العلاقات بين -الإقليمية بين أمريكا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا "مينا" تاريخيا من خلال القمم الثنائية الإقليمية — لا سيما مبادرة "أسبا" التي دُشنت في برازيليا سنة 2005 — بالإضافة إلى الدبلوماسية الرئاسية الثنائية والاتفاقيات التجارية، والتضامن الخطابي حول القضايا المشتركة مثل تقرير المصير الفلسطيني وسيادة المغرب على أراضيه.

 

وتُشكل قمم منظمة "سيلاك"  لسنة 2026 تحولا نوعيا في ديناميكيات الاندماج الإقليمي. ففي سنة واحدة، عقدت "سيلاك" اجتماعات رفيعة المستوى مع الصين والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي، مما يعكس حضورا خارجيا متناميا يتناقض مع الاستقطاب الداخلي المستمر داخل التكتل. ويكشف "إعلان بوغوتا" عن خط صدع بنيوي؛ حيث صاغت دول (الأرجنتين، بوليفيا، الشيلي، كوستاريكا، الإكوادور، السلفادور، الهندوراس، بانما، الباراغواي، البيرو، وترينيداد وتوباغو) تحفظات على عدة فقرات، مما يشير إلى تفضيل الانحياز لإدارة ترامب على حساب التضامن الإقليمي. وفي المقابل، وتحت قيادة الرئيسين لولا دا سيلفا وغوستافو بيترو، كرست "سيلاك" مكانتها كإطار متعدد الأطراف وبديل للمؤسسات الإقليمية الخاضعة للهيمنة الأمريكية في النصف الغربي من الكرة الأرضية، لتعمل كساحة إيديولوجية لليسار في أمريكا اللاتينية والكاراييب.

 

لقد دخلت العلاقة بين أمريكا اللاتينية والكاراييب ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مرحلة جديدة، لم يعد يحكمها التضامن الإيديولوجي بقدر ما توجهها البراغماتية الاستراتيجية في عالم متعدد الأقطاب.  

 

إن إحياء إدارة ترامب لعقيدة مونرو لم يدفع الحكومات اللاتينية نحو الخضوع، بل عجل من توجهها نحو تعدد الشراكات. إن النشاط الخارجي المتزايد لـ "سيلاك" وبزوغ دول الخليج كمستثمرين في البنية التحتية، وصمود الروابط الفنزويلية والكوبية والكولومبية مع الفاعلين في منطقة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كلها مؤشرات تؤكد تعميق بنيوي في العلاقات البين-إقليمية.

 

يوفر الإطار النظري لاستقلالية متعددة الأقطاب العدسة التحليلية الأنسب لفهم هذه الدينامية؛ فهو يستوعب الدور التأسيسي للقيادة السياسية والإيديولوجية دون اختزال السياسة الخارجية في الظروف المادية وحدها، كما يضع العلاقات بين-الإقليمية بين أمريكا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ضمن المسار الأوسع لتحول النظام العالمي، الذي كفّ عن الارتهان للهيمنة الغربية كمرتكز وحيد لتشكّله.

 

وبالنسبة لصناع القرار في كلتا المنطقتين، تفتح اللحظة الراهنة آفاقا من الفرص؛ فالبنية التحتية المؤسسية موجودة في شكلها الأولي والبدائي، وما تشتد الحاجة إليه الآن هو الإرادة السياسية لتحويل القمم الموسمية والاتفاقات الثنائية إلى بنية إقليمية متينة ومستدامة.

08/05/2026

قراءة 31 مرات
قيم الموضوع
(1 تصويت)