الأرجنتين بين كوفيد-19 والأزمة الاقتصادية

الأربعاء, 01 تموز/يوليو 2020 09:00

سعيد بنبوكر

مرصد أمريكا اللاتينية


تعاني الأرجنتين منذ عدة سنوات من أوضاع اقتصادية واجتماعية هشة جدا، لكن جائحة كوفيد-19 زادت من تعميق أزمتها الاقتصادية وتفاقم هشاشتها الاجتماعية. عندما تم الإعلان عن أول إصابة مؤكدة بفيروس كوفيد-19 في 3 مارس 2020، كانت حكومة الرئيس ألبرتو فيرنانديث قد بدأت عملها منذ أربعة أشهر فقط، فوجدت نفسها تفاوض من جديد في ديون الأرجنتين السيادية، ذلك أن الاقتصاد في هذا البلد يعاني من ركود تام منذ سنتين من التقشف، وبينما تتخبط نسبة 35,5 % من الساكنة في الفقر تجاوزت نسبة التضخم 50%.


وحسب معطيات البنك الدولي، سيتراجع الاقتصاد الأرجنتيني بنسبة 5,2%، وسيعرف الناتج الداخلي الخام تقلصا للسنة الثالثة على التوالي، فبعد انخفاضه بنسبة 2,5% سنة 2018 و2,2% سنة 2019، يتأثر الناتج الداخلي الخام خلال السنة الجارية بالانتشار الواسع لجائحة كوفيد-19، وبمدة تطبيق الحجر الصحي ومدى اتساع نطاق هذه الجائحة واستمرارها عالميا.


وحسب بعض الخبراء الاقتصاديين فإن تأثير هذه الجائحة على الاقتصاد الأرجنتيني يتجلى فيما يلي:
- لم تعد العديد من القطاعات الحيوية منتجة، بحيث لا توجد وصفة سحرية ماكرو اقتصادية، ولا وصفة سحرية مالية، ولا حتى اللجوء إلى الاقتراض قادر على تعويض الخسائر الإنتاجية، مما سيكون له انعكاسات سلبية كالنقص في الموارد المالية وخلق وظائف جديدة؛


- أثرت المخاطر المالية وتحطيم قيود الأداء بشكل جلي في الاقتصاد الأرجنتيني، مما سيؤدي بطبيعة الحال إلى انحسار المبيعات وتوقف الحركة التجارية، وبالتالي تقلص المبيعات على صرف الشيكات الخاصة والتبادل القائم بين التجار الكبار والصغار وكذلك الأفراد في عمليات البيع والشراء، وما يترتب عن ذلك من تعقيد عملية تغطية وتسديد مدفوعاتهم التي يتم تجميدها بتجميد حركة الأوراق التجارية، وهو ما يخلق مخاطر مالية ليس للشركات فحسب بل أيضًا لمورديها وزبنائها؛


- تخضع حوالي 50 ألف شركة في الأرجنتين للتصفية كل سنة بما فيها السنوات الجيدة، أما في السنوات السيئة فقد ترتفع النسبة لتبلغ أكثر من 60 ألف شركة، ويجري إنشاء شركات جديدة كل عام لتعويض تلك الشركات التي آلت إلى الزوال، بل إنه في عز انتشار الجائحة الحالية، سيتم إنشاء عدد قليل جدًا من الشركات، وسيكون للتقشف والركود الاقتصادي دور في تقليص عدد هذه الشركات على مدار السنة؛


- سيجد الكثير من الناس أنفسهم أمام فقدان وظائفهم عند نهاية الجائحة، حيث سيكون لزوال هذه الشركات والكساد والتقهقر الاقتصادي تأثير كبير على فرص الشغل، حتى في ظل البرامج الحكومية التي تحاول دعمها من خلال المساعدة في دفع الأجور، لكن الحقيقة هي ألا شيء يعوض الإنتاج نفسه؛


- إن السبب الأساسي الذي جعل الجائحة تصيب الاقتصاد بالانكماش هو خطر التضخم، وتعتبر الحكومة الأرجنتينية أن منح الأموال هو الأداة الوحيدة لمحاولة مساعدة الشركات، إذ سيكون من الصعب استيعاب هذه المبالغ من المال في المستقبل وبالتالي، في مرحلة ليست بالضرورة على المدى القصير، ستبدأ في مواجهة مخاطر تضخم أكبر بكثير.


إن الحجر الصحي الصارم والمستمر الذي تطبقه الأرجنتين حاليا يعرِض معظم الشركات الصغيرة في القطاعات غير الأساسية للخطر. وتشير النسبة العالية من العمال في القطاع غير المهيكل إلى ضرورة توسيع المساعدات المالية لتجنب أزمة اجتماعية عميقة، وبهذا الخصوص، تعد معضلة "الاقتصاد مقابل الصحة" معادلة عصية بالنسبة للأرجنتين نظرا لاختلالاتها المالية الكبيرة وعبء الدين العام، مما يمكن أن يؤدي إلى بروز أزمة عميقة تكون اقتصادية بالدرجة الأولى وبأبعاد ثلاثية: أزمة عرض تتجلى في إغلاق المصانع وتجارة التقسيط وما إلى ذلك، وأزمة طلب بسبب تدابير التباعد الصحي أو الجسدي، وارتفاع نسبة البطالة واحتياط وحذر كبير من طرف المستهلكين، وأزمة مالية تعرض الشركات لاسيما الصغيرة منها والمتوسطة للخطر بسبب مشاكل السيولة جراء انخفاض الاستهلاك.


تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في القطاعات غير الأساسية وقتا عصيبا يزداد عمقا من خلال إغلاق المتاجر والمصانع، علاوة على المشاكل المتزايدة في سلسلة الدفع. وإلى جانب ذلك، أعلنت الحكومة عن بعض تدابير الإغاثة مثل برامج دعم جزء من أجور العمال، وخطوط الائتمان المصرفية بأسعار فائدة أقل لمساعدة الشركات على مواجهة هذه المشاكل، ومع ذلك، فإن العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة تكافح من أجل استيفاء بعض الشروط والمتطلبات للحصول على المساعدة المالية، غير أن هناك خطر كبير من الإفلاس الهائل يتهددها إذا استمر الحجر الصحي لمدة أطول.


أما في ما يخص التجارة الخارجية الأرجنتينية، فقد أكدت تقارير صادرة عن منظمات إقليمية أنه منذ بداية انتشار جائحة كورونا، عانت الأرجنتين من انخفاض الصادرات بمقدار تجاوز 4 ملايير دولار أمريكي، مما انعكس سلبا على عائدات النقد الأجنبي، وهو ما يعني أن الأرجنتين أمام تحديات كبيرة تتجلى في محدودية الحلول السياسية المطروحة أمامها، وستكون بلا شك الأسابيع المقبلة حاسمة حول السيناريوهات التي يمكن تبنيها.


لقد قدم هذا البلد الجنوب أمريكي اقتراحا أوليا لإعادة هيكلة ديونه، لكن نتائج هذه المفاوضات غير مؤكدة، حيث من المحتمل أن يؤدي عدم تسديد الدين الخارجي إلى عدة مخاطر على الفور، وذلك راجع إلى الأزمة التي تتخبط فيها البلاد. ومع ذلك ستعرقل إمكانية عودة انتعاش الاقتصاد بشكل سريع، بحيث سيسبب ضررا لأسواق القروض الخاصة.
إن من بين أهم تحديات الحكومة الأرجنتينية هو اجتناب أزمة اجتماعية وصحية، وبالخصوص في محافظة "بوينوس أيريس" العاصمة التي تمثل نصف الساكنة الفقيرة في البلاد، إضافة إلى أنها تعتبر مركز انتشار كوفيد-19. فحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية بتاريخ 20 يونيو، يبلغ عدد المصابين في العاصمة لوحدها أكثر من 21.000 مصاب و439 وفاة من جراء هذا الفيروس، وقد تجاوز عدد الحالات المؤكدة في الأرجنتين 40.000 حالة فيما يقارب عدد الوفيات 1000 وفاة.

 

 

 

قراءة 199 مرات
قيم الموضوع
(0 أصوات)
موسومة تحت