الانتخابات في البرازيل: بين شرعية الصندوق وأزمة الثقة الديمقراطية مميز

الثلاثاء, 27 تشرين1/أكتوير 2026 18:13

 

 الانتخابات في البرازيل: بين شرعية الصندوق وأزمة الثقة الديمقراطية

هل يكفي الفوز في الانتخابات لضمان استقرار الديمقراطية، أم أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج؟

 

إكرام شاهين، باحثة في مرصد أمريكا اللاتينية 

 

لا تكمن أهمية الانتخابات الرئاسية في البرازيل في تحديد هوية الرئيس المقبل فحسب، بل فيما تكشفه عن طبيعة الأزمة التي تواجه الديمقراطية في المجتمعات شديدة الاستقطاب. فقد أعادت الانتخابات التي جرت في 25 أكتوبر 2026 انتخاب الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بعد حصوله على نحو 51.8% من الأصوات، مقابل 48.2% لمنافسه فلافيو بولسونارو. غير أن رفض الأخير الإقرار بالهزيمة ومطالبته بإلغاء النتائج أعادا إلى الواجهة سؤالًا يتجاوز التنافس بين اليسار واليمين: إلى أي حد تستطيع المؤسسات الديمقراطية الصمود عندما تصبح شرعية النتائج نفسها موضع نزاع سياسي؟

 

إن التجربة البرازيلية تؤكد على أن الديمقراطية لا تُختزل في إجراء الانتخابات، مهما بلغت درجة المشاركة فيها أو بلغت دقة تنظيمها، بل تقوم أيضًا على قبول قواعد التنافس والاحتكام إلى المؤسسات القانونية. ومع ذلك، فإن الدفاع عن هذه القواعد لا ينبغي أن يحجب ضرورة مساءلة السلطة المنتخبة عن أدائها، أو أن يجعل الفوز الانتخابي مبررًا لتجاهل الانقسامات الاجتماعية والسياسية التي أفرزتها الحملة الانتخابية.

 

أولًا: الاستقطاب السياسي وأزمة قبول الاختلاف

 

يصعب فهم نتائج الانتخابات البرازيلية بمعزل عن الانقسام العميق الذي يشهده المجتمع بين تيارين يحمل كل منهما تصورات مختلفة بشأن دور الدولة، والسياسات الاجتماعية، والقيم المحافظة، ومكانة البرازيل في النظام الدولي. ولذلك، لم تكن المنافسة بين لولا وفلافيو بولسونارو مجرد مواجهة بين برنامجين انتخابيين، بل عكست صراعًا حول الاتجاه السياسي الذي ينبغي أن تسلكه البلاد.

 

وتكشف تقارب النتائج عن حقيقة أساسية: فوز أحد المرشحين لا يعني اختفاء القاعدة الاجتماعية والسياسية التي دعمت منافسه. فقد حصل بولسونارو على ما يزيد قليلًا على 48% من الأصوات، وهي نسبة تمنع التعامل مع التيار المحافظ باعتباره قوة هامشية أو ظاهرة مؤقتة. وبالمثل، لا يمكن اعتبار فوز لولا تفويضًا مفتوحًا يسمح له بتجاهل مخاوف الناخبين الذين لم يصوتوا لصالحه.

 

ويمكن القول أن أحد الأخطاء التي يمكن الوقوع فيها عند تحليل الانتخابات هو تفسيرها باعتبارها انتصارًا نهائيًا لمعسكر سياسي على آخر. فالديمقراطية ليست نظامًا يهدف إلى إلغاء الخصوم، وإنما إطار يسمح بتداول السلطة بين اتجاهات متنافسة، شريطة التزامها بالقواعد المشتركة. وعندما يتحول الخلاف السياسي إلى تشكيك دائم في المؤسسات أو إلى تصوير المنافس بوصفه عدوًا لا يحق له المشاركة في الحياة العامة، يصبح الاستقطاب تهديدًا لقدرة النظام على إدارة الاختلاف بصورة سلمية.

 

ولا يعني ذلك أن جميع الأطراف تتحمل المسؤولية نفسها عن تراجع الثقة السياسية، بل يقتضي تقييم مواقفها على أساس سلوكها الفعلي ومدى احترامها للقانون. فالمعارضة حق ديمقراطي أصيل، لكن هذا الحق لا يبرر نزع الشرعية عن المؤسسات لمجرد أن نتائجها لم توافق تطلعات طرف معين.

 

ثانيًا: الطعن في النتائج بين الحق القانوني والتشكيك السياسي

 

تطرح مطالبة فلافيو بولسونارو بإلغاء نتائج الانتخابات إشكالية تتعلق بالفارق بين الطعن القانوني المشروع ورفض النتيجة بدافع عدم القبول بالهزيمة. فقد استند الاعتراض إلى تمديد ساعات التصويت في بعض المراكز بسبب صعوبات النقل والأحوال الجوية، في حين أفادت التقارير بأن التمديد جاء بناءً على طلب من الحملتين الانتخابيتين، وأن السلطات الانتخابية أكدت عدم تأثيره في النتيجة النهائية. كما أشارت التغطية الصحفية إلى أن فرص نجاح الطعن تبدو محدودة في غياب أدلة تثبت وجود تأثير جوهري في النتيجة.

 

لا ينبغي التعامل مع هذه المسألة بمنطقين متناقضين: رفض أي اعتراض على النتائج باسم حماية الديمقراطية، أو قبول التشكيك فيها دون أدلة كافية باسم حرية التعبير. فالطعن في العملية الانتخابية حق مكفول وفق الإجراءات القانونية، لكن الفصل في صحة الاعتراض يعود إلى الجهات المختصة، وليس إلى تقديرات المرشحين أو أنصارهم. ويظل الفارق جوهريًا بين طلب التحقيق في مخالفة محددة وبين اعتبار النتيجة باطلة لمجرد أنها انتهت إلى هزيمة سياسية.

 

وتكمن خطورة التشكيك غير المدعوم بالأدلة في أنه قد يضعف ثقة المواطنين في المؤسسات الانتخابية، حتى عندما لا تثبت وجود مخالفات قادرة على تغيير النتيجة. كما أن استمرار النزاع خارج الأطر القانونية قد يحول الانتخابات من آلية لحسم المنافسة إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار.

 

ومع ذلك، فإن حماية المؤسسات لا تعني منحها حصانة مطلقة من النقد. فالثقة الديمقراطية لا تُفرض على المواطنين، بل تُبنى من خلال الشفافية، وإتاحة سبل الطعن، وتوضيح القرارات، وإخضاعها للمراجعة القانونية. لذلك، فإن الدفاع عن الديمقراطية البرازيلية يقتضي احترام النتيجة المعلنة ما دامت قائمة قانونًا، مع ضمان حق جميع الأطراف في اللجوء إلى القضاء وفق قواعد واضحة ومتكافئة.

 

ثالثًا: الفوز الانتخابي لا يعفي من اختبار الأداء

 

إذا كان احترام نتائج الانتخابات شرطًا لاستمرار الديمقراطية، فإن القدرة على الاستجابة لمطالب المواطنين شرط لاستدامة الثقة فيها. وهنا تبدأ مسؤولية لولا الحقيقية؛ فالفوز بفارق محدود يمنحه شرعية دستورية لممارسة السلطة، لكنه لا يلغي الانقسام السياسي ولا يضمن نجاح السياسات الحكومية.

 

لقد أظهرت الحملة الانتخابية أن القضايا الاقتصادية والأمنية تظل مؤثرة في اختيارات الناخبين، حتى عندما تحتل الديمقراطية والهوية السياسية موقعًا بارزًا في الخطاب الانتخابي. وتواجه الحكومة المقبلة تحديات تتعلق بغلاء المعيشة، والتفاوت الاجتماعي، والأمن العام، فضلًا عن ضرورة تحقيق توازن بين الإنفاق الاجتماعي والاستقرار المالي. كما أن حضور تيار محافظ قوي داخل الكونغرس سيجعل تمرير السياسات الحكومية مرتبطًا بقدرة الرئيس على بناء تحالفات سياسية وتقديم تنازلات تفاوضية.

 

ومن هذا المنطلق، يظهر أن تقييم ولاية لولا المقبلة ينبغي أن ينطلق من الانتماء إلى اليسار أو اليمين، وإنما من النتائج التي ستتحقق على أرض الواقع. فنجاح السياسات الاجتماعية، وتحسين القدرة الشرائية، وتوفير الأمن، وتعزيز فرص العمل، كلها معايير أكثر دلالة على جودة الحكم من الاكتفاء بالشعارات الانتخابية. وفي المقابل، فإن الإخفاق في معالجة هذه الملفات قد يعمق شعور قطاعات من المجتمع بأن المؤسسات السياسية لا تستجيب لاحتياجاتها، وهو ما قد يهيئ المجال لمزيد من الاستقطاب في الاستحقاقات المقبلة.

 

وهنا تبرز نقطة أساسية: لا يمكن حماية الديمقراطية من خلال المؤسسات وحدها إذا ظل المواطنون يشعرون بأن مشاركتهم الانتخابية لا تحدث فرقًا في حياتهم اليومية. فالمؤسسات توفر الإطار القانوني للتنافس، لكن الأداء الحكومي يمنح هذا الإطار جزءًا مهمًا من شرعيته الاجتماعية. ولذلك، فإن المسؤولية لا تقع على المعارضة وحدها عندما تتراجع الثقة السياسية؛ بل تتحملها الحكومة أيضًا إذا عجزت عن تحويل الوعود إلى نتائج قابلة للقياس.

 

رابعًا: البرازيل بين الأولويات الداخلية والتحولات الدولية

 

لا تقتصر دلالات الانتخابات البرازيلية على الداخل، إذ ترتبط أيضًا بموقع البلاد في النظام الدولي. فالبرازيل، باعتبارها أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، تسعى إلى الحفاظ على هامش من الاستقلالية في علاقاتها الدولية، ولا سيما في تعاملها مع الولايات المتحدة والصين وتكتل بريكس. وقد أعاد فوز لولا التأكيد على توجه دبلوماسي يميل إلى مقاومة الضغوط الخارجية والدفاع عن قدرة البرازيل على تحديد خياراتها الاستراتيجية.

 

غير أن اختزال الانتخابات في كونها انتصارًا لمحور دولي على آخر يظل قراءة غير كافية. فاختيارات السياسة الخارجية لا تحددها التوجهات الأيديولوجية للرئيس وحدها، بل تتأثر أيضًا بالمصالح الاقتصادية، والقدرة على جذب الاستثمارات، والحاجة إلى الأسواق الخارجية، والتوازنات داخل المؤسسات الوطنية. ومن ثم، فإن هامش الحركة الدولية للحكومة المقبلة سيظل مرتبطًا بقدرتها على التوفيق بين استقلالية القرار السياسي ومتطلبات الاقتصاد الوطني.

 

كما أن السياسة الخارجية الناجحة لا ينبغي أن تكون بديلًا عن معالجة المشكلات الداخلية. فتعزيز مكانة البرازيل الدولية يكتسب أهميته عندما ينعكس على التنمية وفرص الاستثمار وتحسين ظروف المواطنين. أما إذا اتسعت الفجوة بين الطموح الدبلوماسي والقدرة على الاستجابة للأولويات الاجتماعية، فقد تصبح الإنجازات الخارجية محدودة الأثر في نظر الناخبين.

 

خامسا: الديمقراطية مسؤولية مشتركة

 

تؤكد الانتخابات البرازيلية أن الديمقراطية لا تواجه الاختبار الأصعب أثناء التصويت فقط، بل عندما تتقارب النتائج، ويشتد الاستقطاب، ويصبح قبول الهزيمة مسألة خلافية. وقد منح فوز لولا دا سيلفا المؤسسات الانتخابية فرصة جديدة لتأكيد قدرتها على حسم المنافسة، لكنه لم ينهِ الانقسام السياسي أو يبدد أسباب عدم الثقة لدى قطاعات واسعة من المجتمع.

 

يظهر الدرس الأهم من هذه التجربة في ضرورة الفصل بين ثلاثة أمور مترابطة: شرعية الوصول إلى السلطة، واحترام القواعد التي تنظم التنافس عليها، والقدرة على ممارسة الحكم بكفاءة ومسؤولية. فلا يجوز أن يتحول الاعتراض السياسي إلى رفض للنتائج دون دليل، كما لا يجوز أن يتحول الفوز الانتخابي إلى مبرر للإفلات من المساءلة.

 

وبناءً على ذلك، لا ينبغي قياس مستقبل الديمقراطية البرازيلية بمجرد استمرار لولا في السلطة، بل بمدى قدرة المؤسسات على ضمان المنافسة العادلة، وقدرة المعارضة على ممارسة دورها ضمن الإطار الدستوري، وقدرة الحكومة على الاستجابة للمطالب الاجتماعية. فالديمقراطية لا تُختزل في انتصار مرشح داخل صندوق الاقتراع؛ إنها التزام مستمر بقواعد مشتركة، ومساءلة للسلطة، وقدرة على إدارة الاختلاف دون تحويله إلى تهديد لاستقرار الدولة.

 

ولعل ما تكشفه الحالة البرازيلية يتجاوز حدود التجربة الوطنية ليطرح سؤالًا أعمق حول مستقبل الديمقراطية المعاصرة: هل يكفي الحفاظ على آليات الاقتراع، أم أن الأمر يقتضي أيضًا حماية الثقة في المؤسسات وتجديد الصلة بين التمثيل السياسي وانتظارات المواطنين؟ إن الخطر لا يكمن فقط في رفض نتائج الانتخابات، بل كذلك في أن تفقد هذه الانتخابات قدرتها على إقناع المواطنين بأن أصواتهم قادرة على إحداث تغيير حقيقي.

 

ومن ثم، فإن التحدي الديمقراطي لا يتمثل في ضمان انتقال السلطة فحسب، بل في جعل هذا الانتقال جزءًا من نظام سياسي قادر على استيعاب الاختلاف، وتصحيح أخطائه، ومحاسبة القائمين عليه. فحين تصبح شرعية الفوز أهم من مسؤولية الحكم، وحين يُعامل الاعتراض بوصفه تهديدًا بدل اعتباره جزءًا من التعددية، تفقد الديمقراطية تدريجيًا مضمونها، حتى وإن احتفظت بمظاهرها الانتخابية.

 

قراءة 6 مرات
قيم الموضوع
(0 أصوات)
موسومة تحت

البنود ذات الصلة (بواسطة علامة)